عبد الشافى محمد عبد اللطيف
186
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الأخيرة ، وعلى أكثر تقدير منذ القرن السابع عشر الميلادي . أما تبادل الرسل وحاملي الرسائل فكان يتم في الزمن الذي نتحدث عنه ، بل بعده بكثير ، في المناسبات ، وعندما تكون هناك ضرورة . وقد مارس النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، هذا اللون من العلاقات الدولية بنوعية ؛ أي : إنه صلّى اللّه عليه وسلم أرسل من عنده رسلا كثيرين ، وفي مناسبات عديدة ، إلى عدد من ملوك وأمراء العالم ، كما استقبل في مسجده في المدينة ، العديد من الرسل والمبعوثين وحاملي الرسائل . فكيف كان يعاملهم ؟ وقائع التاريخ تدلنا على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، كان يعامل رسل الأعداء والأصدقاء على حد سواء معاملة واحدة ، وهي الاحترام والتكريم ، والذي يهمنا هنا هو معاملة النبي لرسل الأعداء بصفة خاصة ؛ لأن هذا أوقع في تصوير موقف الإسلام من هذه الناحية المهمة من نواحي العلاقات الدولية . كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يستقبل رسل الأعداء برحابة صدر ، ويستمع إليهم في اهتمام ، ثم يمنحهم الأمن على أرواحهم ، ويعطيهم الحصانة التي تخولهم حق العودة إلى أوطانهم سالمين ومتى شاؤوا ، مهما كانت خطورة الرسائل التي يحملونها . وإليك بعض الأمثلة العملية على ذلك ومنها ؛ معاملة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لرسولي كسرى أبرويز الثاني ملك الفرس . فقد أرسل - بعد صلح الحديبية - عددا من الرسائل إلى ملوك ورؤساء وأمراء العالم المعاصرين ، يدعوهم إلى الإسلام - كما سيرد ذكره قريبا - وكان من بين هذه الرسائل رسالة إلى كسرى ، ومع أن الرسالة كانت عبارة عن دعوة سلمية للدخول في الإسلام ، وفي أسلوب مهذب رفيع ، خالية من العنف أو التهديد بالحرب ، إلا أن كسرى عندما قرئت عليه الرسالة استشاط غضبا ، وأخذته العزة بالإثم ، ومزّق الرسالة ، ولم يكتف بهذا ، بل أرسل إلى باذان - عامله على اليمن التي كانت تحت سلطان الفرس آنذاك - يأمره أن يرسل إلى هذا العربي - يقصد النبي صلّى اللّه عليه وسلم - من يقبض عليه ، ويحضره مقيدا في السلاسل ، ليمثل أمام كسرى ، ليعاقبه على جرأته في مخاطبته بهذا الشكل ، إذ كيف يجرؤ ويتطاول إلى هذا المقام ، ويخاطب ملك الملوك . وأذعن باذان لأوامر سيده وأرسل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم رسولين من عنده ليبلغه بقرار كسرى الغريب الذي يدل على الغرور والغطرسة وعماء البصيرة . وحضر الرسولان وأفضيا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمضمون مهمتهما . فماذا حدث ؟ وماذا كان موقف النبي من مبعوثين جاآه